أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
77
العقد الفريد
أتاني بها يحيي وقد نمت نومة * وقد غارت الشّعرى وقد خفق النّسر « 1 » فقلت اصطبحها أو لغيري فأهدها * فما أنا بعد الشّيب ويلك والخمر ! إذا المرء وافى الأربعين ولم يكن * له دون ما يأتي حياء ولا ستر فدعه ولا تنكر عليه الذي أتى * وإن جرّ أرسان الحياة له الدهر فأعلمك أن الخمر هي التي لم تغل بها القدور . أدعياء النسك : وأما قول بعض الشعراء في شاربي النبيذ وما عابوهم به من قلة الوفاء ونقض العهد ، فقد قالوا أقبح من ذلك في تارك النبيذ ، قال حيص بيص : ألا لا يغرنك ذو سجدة * يظلّ بها دائما يخدع [ كأن بجبهته حيلة * يسبّح طورا ويسترجع ] وما للتّقى لزمت وجهه * ولكن ليأتي مستودع ثلاثون ألفا حواها السّجود * فليست إلى ربّها ترجع وردّ أخو الكأس ما عنده * وما كنت في ردّه أطمع وقال آخر : أمّا النّبيذ فلا يذعرك شاربه * واحفظ ثيابك ممن يشرب الماء قوم يورّون عما في نفوسهم * حتى إذا استمكنوا كانوا هم الدّاء مشمّرين إلى أنصاف سوقهم * هم الذّئاب وقد يدعون قرّاء وقال أعرابيّ : صلّى فأزعجني وصام فراعني * نحّ القلوص عن المصلّي الصائم ! وقال : شمّر ثيابك واستعدّ لقائل * واحكك جبينك للقضاء بثوم
--> ( 1 ) الشّعرى : كوكب نيّر يطلع عند شدة الحر .